صديق الحسيني القنوجي البخاري

25

أبجد العلوم

الشرائع على إثبات التوحيد والمعاد والنبوات ) كثيرا من نصوص التوراة والإنجيل والزبور وسائر كتب نبوات بني إسرائيل . ولم يشذ منهم إلا اليهودي الزنديق موسى بن ميمون الأندلسي « 1 » ، وقد تبرأ منه قدماء اليهود وأخرجوه من دينهم . بل وكذلك النصارى وإن لم يكن من أهل ملتهم فقد صرحوا بخذلانه وزندقته ، قال النصراني في تاريخه : « ورأيت كثيرا من يهود بلاد الإفرنج بأنطاكية وطرابلس يلعنونه ويسمونه كافرا » انتهى . قلت : وقد وقع لهذا الملعون من تحريف كثير من التوراة ما يدل على إلحاده وزندقته ، وقد رددت ما حرّفه وأوضحته بأتم إيضاح . وأما يهود عصرنا فصاروا يعظمونه وذلك لجهلهم بحقيقة الحال . وقد ذكرت لجماعة من أحبارهم بعض تحريفاته فلعنوه وتبرءوا منه . وكما أن هذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل الملل التابعين لأنبيائهم ، فهو أيضا مجمع عليه بين المشتغلين بالعقل والنظر كالكلدانيين والصابئين أتباع صاب بن إدريس ، كما رأيناه في حكاية مذاهبهم التي ذهبوا إليها في شأن المعاد ، ومنهم اليونانيون فإنهم جميعهم من عند أسقلينوس إلى عهد جالينوس مصرحة كتبهم بمعاد الأرواح عليه في دار المعاد . وهكذا المشتغلون بالحكمة الإلهية من أهل الإسلام كالكندي ومن جاء بعده كالفارابي ومن جاء بعده منهم كابن سينا فإن كتبهم مصرحة بذلك تصريحا لا شك فيه ولا ريب . وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية » انتهى كلام الشوكاني - رحمه اللّه - . وإنما أوردناه هاهنا بطوله لاشتماله على الفوائد الجليلة والشيء بالشيء يذكر . ثم اعلم أن علم اللّه سبحانه بذاته نفس ذاته ، فالعالم والمعلوم واحد وهو الوجود الخاص . كذا في ( شرح الطوالع ) أي واحد بالذات ، أما بالاعتبار فلا بد من التغاير . ثم قال : « وعلم غير اللّه تعالى بذاته وبما ليس بخارج عن ذاته هو حصول نفس المعلوم ، ففي العلم بذاته العالم والمعلوم واحد ، والعلم وجود العالم والمعلوم والوجود زائد . فالعلم غير العالم والمعلوم والعلم بما ليس بخارج عن العالم من أحواله غير العالم والمعلوم ، والمعلوم أيضا غير العالم . فيتحقق في الأول أمر واحد . وفي الثاني اثنان . وفي الثالث ثلاثة . والعلم بالشيء الذي هو خارج عن العالم عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم . فيتحقق أمور أربعة : عالم ، ومعلوم ، وعلم ، وصورة . فالعلم حصول صورة المعلوم في العالم ، ففي العلم بالأشياء الخارجة عن العالم صورة ، وحصول تلك الصورة وإضافة الصورة إلى الشيء

--> ( 1 ) هو الفيلسوف اليهودي المتوفى سنة 605 ه له من الكتب : اختصار الكتب الستة عشر لجالينوس ، دلالة الحائرين ، كتاب الشرائع على مذهب اليهود ، كتاب الفصول في الطب ، ومقالة في تدبير الصحة . انظر ترجمته في هدية العارفين ( 2 / 478 ) .